مجد الدين ابن الأثير
129
المختار من مناقب الأخيار
دعاءك ، وقد هدى أمّ أبي هريرة . وقلت : يا رسول اللّه ، ادع اللّه أن يحبّبني وأمّي إلى عباده المؤمنين ، ويحبّبهم إلينا . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « اللّهمّ ، حبّب عبيدك هذا وأمّه إلى عبادك المؤمنين » . فما خلق اللّه من مؤمن يسمع بي ولا يراني أو يرى أمّي إلّا وهو يحبّني « 1 » . وقال أبو هريرة : إنّكم تقولون : ما بال المهاجرين لا يحدّثون عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بهذه الأحاديث ، وما بال الأنصار لا يحدّثون بهذه الأحاديث ! وإنّ أصحابي من المهاجرين كانت تشغلهم صفقاتهم في الأسواق ، وإنّ أصحابي من الأنصار كانت تشغلهم أرضوهم ، والقيام عليها ، وإنّي كنت امرأ معتكفا ، وكنت أكثر مجالسة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، أحضر إذا غابوا ، وأحفظ إذا نسوا . وإنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم حدّثنا يوما ، فقال : « من بسط ثوبه حتى أفرغ من حديثي ، ثم يقبضه إليه ، فإنّه ليس ينسى شيئا سمعه منّي أبدا » فبسطت ثوبي ، أو قال نمرتي . ثم حدّثنا فقبضته إليّ . واللّه ، ما نسيت شيئا سمعته منه . وأيم اللّه لولا آية في كتاب اللّه عزّ وجلّ ما حدّثتكم بشيء أبدا إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى . . . « 2 » الآية [ البقرة : 159 ] . وقال مجاهد : كان أبو هريرة يقول : واللّه ، إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع ، وإن كنت لأشدّ الحجر على بطني من الجوع ، ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون منه ، فمرّ أبو بكر فسألته عن آية من كتاب اللّه ، ما سألته إلّا ليستتبعني فلم يفعل [ فمرّ عمر ، فسألته عن آية من كتاب اللّه ، ما سألته إلّا ليستتبعني « 3 » ، فلم يفعل . ] فمرّ أبو القاسم صلّى اللّه عليه وسلم ،
--> ( 1 ) أخرجه أحمد 2 / 219 ، 220 ، ومسلم ( 2491 ) في فضائل الصحابة . وابن سعد في طبقاته 4 / 328 ، وهو في مختصر تاريخ دمشق 29 / 185 . ( 2 ) أخرجه أحمد في مسنده 2 / 274 ، ومسلم ( 2492 ) في الفضائل ، باب من فضائل أبي هريرة ، وابن سعد 4 / 330 . ( 3 ) في صحيح البخاري 11 / 281 ، وجامع الترمذي 4 / 648 : ليشبعني .